ابن عجيبة
148
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : الود : محبة الشيء مع تمنيه ، و « من أهل الكتاب » بيانية كقوله : « لم يكن الّذين كفروا من أهل الكتاب » ، و « أن ينزّل » معمول يود ، و « من خير » صلة ، و « من ربّكم » ابتدائية . يقول الحق جل جلاله : ما يتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إنزال خير عليكم مِنْ رَبِّكُمْ ولا المشركون حسدا منهم ، بل يتمنون أن تبقوا على ضلالتكم وذلّكم ، وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ كالنبوة والولاية مَنْ يَشاءُ من عباده . فلا يجب عليه شئ ولا يمتنع عليه ممكن ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ، فيمنّ بالنبوة أو الولاية على من يشاء فضلا وإحسانا . الإشارة : في الآية تنبيهان : أحدهما : أن من كان يحسد أهل الخصوصية وينكر عليهم ، فيه نزعة يهودية ، وخصلة من خصال المشركين ، والثاني : أن حسد أهل الخصوصية والإنكار عليهم أمر شائع وسنة ماضية ، فليوطن المريد نفسه على ذلك ، وليعلم أنه ما يقال له إلا ما قيل لمن قبله ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * ، وما من نعمة إلا وعليها حسود . وقال حاتم الطائي : ومن حسد يجور علىّ قومي * وأىّ الدهر ذو لم يحسدونى وباللّه التوفيق . ومن مساوئهم أيضا إنكار النسخ للأحكام ، فرد اللّه عليهم بقوله : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 106 إلى 107 ] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 ) قلت : النسخ في اللغة يطلق على معنيين ؛ أحدهما : التغيير والتحويل ، يقال : مسخه اللّه قردا ونسخه . قال الفراء : ومنه نسخ الكتاب ، والثاني : بمعنى رفع الشيء وإبطاله . يقال : نسخت الشمس الظلّ ، أي : ذهبت به وأبطلته ، وهو المراد هنا . والإنساء هو الترك والإذهاب ، والنساء هو التأخر . و « ما » شرطية منصوبة بشرطها مفعولا به . و « نأت » جوابها . يقول الحق جل جلاله : في الرد على اليهود حيث قالوا : انظروا إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ، فأجاب اللّه عنهم بقوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي : نزيل لفظها أو حكمها أو هما معا ، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها في